القاعدة 45 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
كلنا نفهم نظرياً ضرورة التجديد، لكن في الواقع وفي تعاملاتنا اليومية نتمسك بشدة بكل ما اعتدنا عليه. فرض التجديد يصدم الناس ويدفعهم للثورة. حين تكون حديث عهد بالسطوة أو غريباً عن مجتمعها يتوجب عليك أن تُكَوِّن لنفسك قاعدة تدعمك، ويلزمك لذلك أن تحترم تقاليد رعاياك وبدون ذلك لن يتبعوك. إن رأيت أن التجديد لازم أظهره وكأنه تطور نابع من الماضي والتراث.
انتهاك القاعدة:
في وقت ما من 1520 قرر هنري الثامن ملك انجلترا أن يُطَلِّق زوجته كاترين آراجون لأنها لم تلد له صبياً ولأنه كان يحب امرأة أكثر شباباً وجمالاً هي آن بولين. عارض البابا کلمنت السابع الطلاق وهدّد بحرمان الملك من الغفران الكنسي، وحتى الكاردينال توماس وولزي المستشار المقرب من الملك نصحه بأنه لا داع لهذا الطلاق وقد كلفته هذه المعارضة منصبه وبعدها بقليل حياته.
رجل واحد هو الذي أيَّد رغبة الملك في الطلاق بل وقدم له الوسيلة لتحقيق ذلك. كان الرجل هو توماس کرومويل أما الوسيلة فهي القطيعة التامة مع الماضي وإنهاء أي علاقة تربط إنجلترا بروما وتأسيس کنيسة جديدة في بريطانيا يترأسها الملك هنري بنفسه، وحينها يمكنه أن يطلق كاترين ويتزوج آن بولين. في عام 1531 رأي هنري أن ذلك هو الحل الوحيد وكمكافأة على هذه الفكرة البسيطة عين کرومويل الذي كان ابن حداد في منصب مستشار ملكي.
عام 1534 تم ترقية كرومويل ليصبح أمين سر الملك، وجعلته سطوته في كواليس العرش أقوى رجل في إنجلترا. بالنسبة لكرومويل لم يكن غرض القطيعة مع روما مجرد إشباع شهوات الملك؛ بل كان يحلم بإنشاء نظام بروتستانتي في إنجلترا وتحطيم سطوة الكنيسة الكاثوليكية والاستيلاء على ثرواتها الهائلة ومنحها للملك والحكومة، في نفس العام قام بمسحٍ لكل الكنائس والأديرة في انجلترا. وتبين له أن الكنوز والأموال التي تراكمت لدى الكنائس على مر القرون كانت أكبر كثيراً مما تخيل.
لكي يبرِّر کرومويل ما سيفعله أشاع أخباراً عن فساد الأديرة واستغلالها لسلطاتها وابتزازها للناس الذين كان من المفترض أن تخدمهم. وبعد أن حصل على تأييد البرلمان لاقتحام الأديرة أخذ يستولي على ممتلكاتها ويهدمها واحداٍ بعد آخر، في نفس الوقت بدأ يفرض البروتستانتية على الناس وأدخل تعديلات في الطقوس الدينية ويعاقب كل من يتمسك بالكاثوليكية والذين أسماهم الهراطقة. هكذا تحولت انجلترا في ليلة وضحاها إلى دينها الرسمي الجديد.
انتشر الرعب في أنحاء البلاد، شعر البعض بالراحة لأنهم كانوا يعانون من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لهم لكن غالبية الشعب كانوا يرتبطون بشدة بالطقوس والممارسات المعتادة، أخذ الناس ينظرون بهلع للكنائس وهي تُهدم وتماثيل العذراء والقديسين تسقط على الأرض وتتحطم ومعها فسيفساء النوافذ الملونة. اختفت الأديرة فجأة وزادت أعداد المتسولين الذين كانت ترعاهم ومعهم الرهبان الذي لم يعد لهم مأوى، وفوق كل ذلك فرض کرومويل ضرائب باهظة لتمويل إصلاحاته الكنسية.
في عام 1535 اندلعت الثورات العنيفة في شمال انجلترا وهددت بخلع الملك عن عرشه. في العام التالي استطاع الملك قمع الثورات ولكنه أدرك ما قد تكلفه إصلاحات کرومويل، كل ما كان يريده الملك هو الطلاق ولم يكن يريد أو يتصور أن تصل الأمور إلى هذا الحد. وبعدها أصبح کرومويل هو الذي يراقب في خوف إلغاء الملك لكل إصلاحاته وإعادته للقرابين الكاثوليكية وغيرها من الطقوس التي جرمها کرومويل بسلطة القانون.
شعر کرومويل بزوال الحظوة والنعماء عنه، وقرر في عام 1540 أن يعمل على استعادتها من جديد بأن يجد للملك زوجة جديدة بعد موت زوجته الثالثة جين سيمور، وجد کرومويل الزوجة التي كان هنري يتشوق لإيجادها: آن کليفس وكانت أميرة ألمانية وما كان يهم کرومويل أكثر أنها بروتستانتية. بتكليف من کرومويل رسم الفنان هولباين لوحة رائعة لآن كليفس أعجبت هنري بشدة وجعلته يوافق على الزواج فورا، وشعر کرومويل أنه استعاد حظوته السابقة لدى الملك.
لكن لسوء حظه أن اللوحة التي رسمها هولباين کانت أجمل كثيراً من الواقع، وحين التقى الملك أخيراً بالأميرة كرهها بشدة، وأضاف ذلك إلى غضب الملك على کرومويل من الإصلاحات الحمقاء التي قام بها غضباً جديداً من الخدعة التي استدرج الملك إليها ليتزوج من تلك الأميرة البروتستانتية القبيحة. في يونيو من نفس العام تم القبض على كرومويل واتهامه بالهرطقة والتطرف البروتستانتي وإرساله إلى سجن القلعة وبعدها بستة أسابيع وأمام حشد هائل قام السياف بقطع رأسه.
التعليق:
كانت فكرة توماس کرومويل بسيطة: أن يحطم سطوة وثروة الكنيسة الكاثوليكية في انجلترا ويؤسس للبروتستانتية مكانها، وأن يتم ذلك دون رحمة وفي أقصر وقت كان يعرف أن التسرع في التغيير سيسبب المعاناة والاعتراض لكن كان يظن أن ذلك سيختفي في سنوات قليلة، والأهم أنه كان يظن أن قيادته للنظام الجديد ستُبقي الملك معتمداً عليه. لكن كان هناك خلل في استراتيجيته: فقد كانت إصلاحاته أشبه بكرة البلياردو التي تصطدم بعنف بصدادات الطاولة وترتد في اتجاهات لا يمكن توقعها أو التحكم بها.
الذين يبدأون إصلاحات قوية غالباً ما يذهبون ضحايا لأي عثرات تحدث لها، وفي النهاية تُنهكهم ردود الفعل التي تواجه إصلاحاتهم. التغيير مُجهِد للطبيعة البشرية حتى لو كان تغيُّراً للصالح، فالناس يتمسكون بما يألفون من الأشخاص والعادات والممارسات لأن ذلك يعينهم على الكبد والمعاناة والمخاطر المستمرة التي لا تخلو منها أبداً حياة الإنسان. الناس يُرحِّبون بالتغيُّر حين تعرضه عليهم كفكرة نظرية ولكن حين تتغير الأمور بسرعة يستعر داخلهم الامتعاض والتوتر وفي لحظة ينفجرون ضدك.
لا تستهن أبداً بميل الناس للاستقرار والمحافظة على ما اعتادوا عليه، فذلك شعور مسيطر وعميق. ولا تجعل افتتانك بفكرة يعمي بصيرتك: فكما لا تستطيع أن تجعل الناس يرون الأمور کما تراها كذلك لن تستطيع أن تفرض عليهم المستقبل بتغيرات تؤلمهم لأنك بهذا لن تجني منهم إلا الاعتراض والتمرد. إن رأيت أنه لا مفر من التغير والإصلاح کن مستعداً للتعامل مع مقاومة الناس له واعمل على أن تظهر التغيرات وكأنها امتداد للماضي والمعتاد. ضع بعض عسل المألوف في دواء التغيُّر ليحتمل الناس شرابه.
مراعاة القاعدة:
في 1920 انضم ماو تسي تونج الشاب للحزب الشيوعي وكان يَعرف أكثر من غيره أن فرصة الشيوعية في حكم الصين ضئيلة للغاية، فلم يكن يسمح لهم بذلك قلة مواردهم وشحّ عددهم وعتادهم وعدم خبرتهم في القتال. كان أملهم الوحيد هو أن تنضم إليهم الأعداد الهائلة من الفلاحين، ولكن كيف كان للفلاحين الصينيين أن يؤازروا التغيُّر والثورة وهم أكثر من في العالم تمسّكاً بالتقاليد؟. كانت تقاليد الكونفوشية راسخة وفاعلة في المجتمع الصيني في 1920 بنفس قدر قوتها في القرن السادس قبل الميلاد وقت حياة مؤسسها كونفوشيوس. فرغم معاناة الناس لاضطهاد وظلم النظام الحاكم وقتها لم يكونوا على استعداد للتخلي عن قيمهم المستقرة والقديمة لصالح الشيوعية التي لا يعرفون عنها شيئاً.
وجد ماو حلاً بسيطاً وهو أن يكسو الثورة في عباءة الماضي ليرتاح الناس لها ويؤمنون بمشروعيتها. كان الكتاب الذي يفضله ماو هو الرواية الصينية القديمة حواف الماء التي تحكي عن مغامرات نظير صيني لروبن هود كان يكافح مع عصابته ظلم وفساد السادة والملوك. في وقت ما وكان للروابط الأسرية وطاعة الأب والأخ الأكبر التي أوصى بها كونفوشيوس السطوة الأكبر على الحياة الاجتماعية في الصين، لكن حواف الماء كانت تضع بين أفراد العصابة قيمة أعلى من رابطة الدم هي رابطة الأخوة ونبل القضية. كان للرواية تأثير كبير على الشعب الصيني لأنها كانت تحرك فيهم حبهم لمناصرة المضطهدين، وظل ماو يكرر لهم أن جيشه الثوري ما هو إلا امتداد لعصابة حواف الماء يناصرون الفلاحين المقهورين في صراعهم الأبدي مع الحكام الظالمين، وهكذا جعل الماضي إطاراً يمنح الشرعية للتغيرات الثورية التي تنادي بها أفكاره الشيوعية، واستجاب الفلاحون بدعم وتأييد تلك الجماعة التي تحيي لهم ماضيهم المجيد.
حتى بعد أن حصل الحزب على حكم البلاد ظل ماو يربطه بالماضي، فلم يعلن نفسه للناس على أنه لينين الصين، بل نسخة معاصرة من شيكو ليانج المخطط الاستراتيجي البارع في القرن الثالث الميلادي التي مجدته الرواية الشعبية حكاية الممالك الثلاث. لم يكن ليانج مجرد قائد عسكري، بل كان أيضاً فيلسوفاً وشاعراً ومصلحاً صاحب مبادئ نبيلة. أظهر ماو نفسه للناس في صورة الشاعر المحارب مثل ليانج الذي يمزج الاستراتيجية بالفلسفة والأخلاقيات ليصنع قيم عصر جديد: القيم التي كانت تصفها الحكايات القديمة عن رجل الدولة الذي يتحلى بطبائع الفرسان.
ظل ماو بعدها في كل خُطَبِه وكتاباته يُذَكِّر الصينيين بحقبة ما من تاريخهم، فقد استعان مثلا بتاريخ الإمبراطور شين الذي وحّد الصين في القرن الثالث قبل الميلاد وأطلق عليها اسمه، وهو أيضاً من أحرق كتابات كونفوشيوس وقوّى وأكمل بناء سور الصين العظيم: فهكذا فعل ماو فقد وحّد الصينيين وأنهى عصراً من الظلم والاضطهاد وحارب الفساد. كان الرأي المعتاد لدى الناس عن شين أنه طاغية قاس حكم لفترة قصيرة، لكن عبقرية ماو أبرزت قيمة إنجازاته لدى الصينيين المعاصرين وفي نفس الوقت استخدمها کتبرير لقسوة النظام الجديد الذي أسسه ماو نفسه.
بعد فشل الثورة الثقافية في أواخر 1960: حدث صراع على الحكم داخل الحزب الشيوعي، وكان المنافس لماو هو من كان من قبل صديقه الحميم لن بياو. لكي يظهر ماو للجماهير طبيعة الاختلاف بين سياسته وسياسة منافسه لجأ للماضي من جديد: أظهر بياو مناصراً قويا لأفكار کونفوشيوس والذي كان بياو بالفعل يقتبس الكثير من أقواله، وكان كونفوشيوس يمثل المحافظة والتمسك بالقديم. اختار ماو لنفسه مثالاً من الحركة الفلسفية القديمة المعروفة باسم الحركة القانونية التي مثلتها كتابات هان فاي تسو. كان القانونيون يحتقرون مبادئ كونفوشيوس ويؤمنون بضرورة استخدام القوة لترسيخ الإصلاحات، وكانوا يقدسون السطوة.
ولكي يعطي لنفسه الأفضلية شن ماو حملة موسعة في أنحاء البلاد ضد كونفوشيوس واستفاد من الهجمة القديمة التي قام بها القانونيون ضد الكونفوشية لدفع الشباب إلى التمرد على الجيل القديم، وهكذا استطاع ماو أن يظهر الصراع المبتذل على السلطة في الصورة المجيدة لبطولات الماضي وبذلك أشعل حماس الجماهير وفاز على غريمه.
التعليق:
ليس هناك في العالم شعب يتعلق بماضيه كما يتعلق الصينيون بماضيهم، ولكي يتغلب ماو على هذه العقبة لجأ إلى استراتيجية بسيطة: بدلاً من الصراع ضد الماضي قرَّر أن يستغله لصالحه وأن يربط بين أنصار الشيوعية والأبطال التاريخيين في الحكايات الشعبية الصينية، جعل حكاية الصراع بين الممالك الثلاث وكأنها تصف الصراع بين الصين وأمريكا والاتحاد السوفيتي. وصَوَّر نفسه وكأنه شيكو ليانج. وعرف ما عرفه القادة الكبار الذين سبقوه وهو أن الصينيين لن يرضوا أبداً إلا بحاكم قوي يكون لهم بمثابة الأب المسيطر. وبعد أن ارتكب خطأه الكبير بمحاولة فرض التحديث بقوة أثناء الثورة الثقافية وفشل فشلاً ذريعاً لم يكرر أبداً هذا الخطأ بل ظل يلبس التحديث عباءة الماضي التي كانت تريح الناس وترضيهم.
الدرس بسيط: الماضي له سطوة على الناس والذكريات تبدو دائماً أعظم من الحاضر، والاعتياد والتاريخ يعطيان ثقلاً للأحداث، وعليك أن تستفيد من هذا الثقل. حين تحطم للناس ما ألفوه تترك لديهم فراغاً روحياً وشعوراً بعبثية الحياة. وزوال ما يطمئن له الناس يُولِّد فيهم الخوف. لا تحرك أبداً هذه المخاوف واقتبِس من الماضي مهما كان بعيداً الثقل والمشروعية لتجعل الحاضر الذي تصنعه يبدو لهم مريحاً ومألوفاً، اقتباس الماضي يعطي سحراً وجلالاً لأفعالك ويثري حضورك وصورتك لدى الناس ويلطف من ثورية التغيرات التي تريد أن تحدثها.
عليك أن تذكر دائماً أن لا شيء أصعب ولا أخطر ولا أكثر عرضة للفشل من أن تضع للناس نُظُماً وأعرافاً جديدة (نيقولو مكيافيللي، 1469 – 1527).
مفاتيح للسطوة:
نفوس الناس مليئة بالتناقضات. أحد هذه التناقضات هو أنه بالرغم من حب الناس للتغير ومعرفتهم بأهمية الإصلاح لهم كأفراد أو مؤسسات ينزعجون ويتأففون إن مَسَّ التغيير شخصيتهم. يثقون أن الإصلاح ضرورة وأن التغيرات تخلصهم من الملل والركود لكن في أعماقهم يتمسكون بشدة بالماضي. الحقيقة أن الناس يؤيدون التغير كفكرة أو شعار ولا تزعجهم التغيرات التي لا تمسّ إلا الظاهر أما ما يهدد نظام حياتهم وعاداتهم المستقرة فيثير فيهم غضباً وامتعاضاً عميقاً.
لا تحدث أي ثورة دون رد فعل لاحق وقوي ضدها، لأن الشعور بالخواء الذي يخلقه التغير وزوال المألوف يقلق الناس ويربكهم، فالخواء يرتبط في اللاشعور بالموت والعدم. تغري الثورات الناس بفرصٍ للإصلاح والتجديد، ولكن بعد فترة ينطفئ الحماس حتماً وحينها يشعرون بالحنين للماضي وينتهزون كل الفرص لإحيائه.
يري مكيافيللي أنه لا يمكن لمُصلِحٍ أن ينجو بإصلاحاته إلا إذا استخدم السلاح: فحين يأتي المحتوم ويحن الناس للماضي عليه أن يكون مستعداً دائماً لردعهم بالقوة لكن المُصلح المسلّح لا يمكنه الاستمرار طويلاً إن لم يصنع بسرعة نظاماً جديداً للقيم والعادات التي تحل محل الواقع القديم لطمأنة مخاوف من يخشون ولا يحتملون التغيير، الحقيقة أنه أسهل كثيراً من استخدام العنف أن تلجأ للحيلة وأن تدعو للتغيير وأن تنفذه على قدر ما تريد ولكن تلطفه بأن تضع له المظهر الخارجي للعادات والتقاليد القديمة.
حكم الإمبراطور الصيني القديم وانج مانج (8 - 23 م) في عصر كانت تسوده الاضطرابات والتحولات التاريخية؛ كان الناس يحنون للنظام القديم الذي وضعه كونفوشيوس. قبل ذلك بقرنين كان الإمبراطور شين قد أحرق كتابات كونفوشيوس وحرم قراءتها، وبعدها انتشرت شائعات بأن بعض النصوص قد نجت بمعجزة وتم إخفاؤها في منزل أحد الكهنة وتم اكتشافها في عهد مانج. من المؤكد أن النصوص لم تكن أصلية ولكن مانج رأى في ذلك فرصة عليه ألا يفوتها: استولى على النصوص وأضاف إليها فقرات تدعم الإصلاحات التي يريد فرضها على الناس، ثم سمح بنشر النصوص المعدلة وحين قرأها الناس بدا لهم وكأن كونفوشيوس كان يدعم الإصلاحات التي يريدها مانج فتقبلوها بارتياح وسهولة.
ولتفهم أن الماضي، بموته، يمنحك حرية تفسيره. تلاعب بالحقائق لتدعم قضيتك فالماضي نص مفتوح يمكنك أن تضيف إليه ما تشاء من الفقرات.
يمكن لتفاصيل بسيطة مثل استخدام لقب قديم أو عدد معين لجماعتك أن يربط بينك وبين الماضي ويدعمك بسطوة التاريخ. ذكر مكيافيللي أن الرومان أنفسهم استخدموا هذه الحيلة عند تحولهم من ملكية إلى جمهورية: بالرغم من أنهم وضعوا قنصلين مكان الملك إلا أنهم احتفظوا بعدد "الإثنا عشر" محلفاً لكل قنصل وهو عدد المحلفين لدى الملك، وكان الملك يقوم كل عام ببذل أضحيات في احتفالات مهيبة تثير حماس الجماهير، فاحتفظت الجمهورية بهذا الطقس ولكن أطلقوا عليه "عيد التضحية بالملك"، وقد سعد الناس بهذه الرموز ومنعهم ذلك من المطالبة بعودة الملكية.
من الاستراتيجيات الأخرى لتلطيف التغيير أن تعلن ظاهرياً تأييدك واحترامك لقيم الماضي، وأن تبدو وكأنك متعصب للتقاليد وحينها لن يلاحظ الناس كم أن أفعالك تتناقض تماماً مع ما تقول. كان لدى فلورنسا جمهورية استمرت لقرون وكانوا يرتابون من أي شخص يتحدى تقاليدها، وحين برزت سطوة کوزيمو دي مديتشي أظهر دعمه الكبير للجمهورية بينما كان في الحقيقة يسعى لإخضاعها لحكم أسرته الثرية. احتفظ آل مديتشي في الظاهر بتعصبهم لتاريخ وتقاليد الجمهورية بينها كانوا في الباطن يضعفونها ويحدثون فيها تغييرات جذرية.
يدعي العلماء بأنهم يناصرون الابتكار والتجدد وأن لا شيء يهمهم سوى الحقيقة ويتفاخرون بأنهم محصنون ضد سطوة ولا عقلانية التقاليد والثوابت؛ لكن حين نشر تشارلز دارون أفكاره عن النشوء كانت الاعتراضات التي واجهته من زملائه من العلماء أكثر كثيراً من التي تلقاها من رجال الدين، وذلك لأن أفكاره كانت تتحدى الثوابت التي ترسخت لديهم. وواجه جوناس سولك نفس المصير باکتشافاته المذهلة عن المناعة، ومثلهما ماكس بلانك باکتشافاته الثورية عن الطبيعة. كتب بلانك عن المعارضة العلمية للتجديد "لا تنتصر الحقيقة العلمية بأن تقنع المعترضين وتثبت لهم بالبراهين، بل ببساطة لأن المعترضين يموتون يوماً ويأتي مكانهم جيل تربى على الحقيقة الجديدة".
عند التعامل مع هذا الميل للتمسك بالمألوف والحفاظ على القديم عليك أن تتمسك بأسلوب رجل الصفوة، وذلك ما فعله جاليليو في مقتبل مساره العلمي، ولكن في أواخر حياته أصبح يميل أكثر للمواجهة وتحدي الثوابت وقد كلفه ذلك ثمناً باهظاً. درِّب لسانك على مدح التقاليد واجعل أفكارك الثورية وكأنها امتداد للماضي. تحدث بما يُرضي الناس وتماهى مع أفكارهم وفي نفس الوقت اترك لأفكارك أن تحقق التغيير المراد، ويَصدُق ذلك في كل المجالات حتى في مجال العلوم.
أخيراً فلتعلم أن أصحاب السطوة هم من يتماشون تماماً مع روح عصرهم، وأن الأفكار السابقة لعصرها لن يفهمها الناس وسيسيئون تفسيرها لأن ما لا يفهمه الناس يخيفهم ويربكهم. عليك أن تظهر التغيرات التي تريد تحقيقها أقل ثورية من حقيقتها، أصبحت بريطانيا بالفعل بروتستانتية كما أراد کرومويل ولكن استغرقها ذلك قرناً من التحولات.
لا تتحدى روح عصرك؛ وإن كان عصرك عصر فتن واضطرابات فستجني الكثير من السطوة بالدعوة إلى الرجوع للماضي والتمسك بالتقاليد والثوابت. أما في فترات الركود فعليك أن ترفع راية الإصلاح والتغير لكن بحرص وبتوقع لما قد يواجهك من اعتراض. الإصلاحات والثورات نادراً ما تُعلي من يبدأها، ولن تستطيع أن تنجح في هذه اللعبة الخطرة إلا أن تجهزت مقدماً للمقاومة التي ستحدث حتماً ضدها بالتظاهر بأنك تتمسك بالماضي وتبني عليه.
اقتباس من معلم: من يرغب في إصلاح حكومة بلد ويرغب أن يقبل الناس إصلاحاته عليه على الأقل التظاهر أن هذه الإصلاحات تشابه القديم، ويقنع الناس أن عاداتهم ومؤسساتهم لن تتغير كثيراً، حتى وإن كانت بالفعل ستصبح شيئاً آخر تماماً، فمعظم الناس تخدعهم المظاهر ولا يفرقون بين الحقيقة والتقليد المتقن (نيقولو مكيافيللي، 1496 – 1527) .
الصورة. القط: مخلوق أسير للعادة ويحب دفء ما يألفه. وإن أفسدت عليه عاداته وانتهكت فضاءه يغضب ويتصرف بجنون. هَدِّأْه بوضعه في الظروف التي اعتادها. وإن رأيت أن التغير ضرورة اخدعه بالحفاظ على عبق الماضي، وضع أشياءه المألوفة في المكان المناسب.
عكس القاعدة:
الماضي جثة خامدة يمكنك أن تضعها حيث تشاء، لكن إن كان ما حدث في الماضي القريب مؤلماً وعنيفاً فسوف يكون من الانتحار أن تربط نفسك به. حين حصل نابليون على الحكم كانت ذكريات الثورة الفرنسية لا تزال في الأذهان، وكان أي تشابه بين البلاط الجديد وبذخ بلاط لويس السادس عشر وماري أنطوايت سيعرضهم جميعاً للخطر؛ لذلك اختار نابليون بلاطه من أشخاص يتميزون جميعاً بالاعتدال والتواضع، فكان بلاط يمثل احترام العمل والقيم العسكرية. وكان اختياره بالفعل صائباً ومُرضياً للشعب.
بكلمات أخرى: عليك أن تتفهم عصرك، لكن إن أردت أن تتقدم خطوة تخالف الماضي خلافاً كبيراً احرص على أن لا تشعر الناس بالخواء لأن ذلك يرعبهم، فحتى الماضي القريب البشع أهون على الناس من الفراغ والخواء. املأ الفراغ فوراً بعادات وممارسات جديدة، فتهدئة الناس وإيلافهم لإصلاحاتك يؤمن موقعك بينهم.
أخيرا قد يبدو أن السطوة في مجالات الفنون والأزياء والتقنيات تنحصر في ابتكار أشياء تخالف الماضي وتنقطع عنه، والحقيقة أن هذه الاستراتيجية قد تكسب المرء سطوة هائلة ولكن لها الكثير من المخاطر؛ فمن المحتوم أن تأتي لاحقا ابتكارات شخص آخر تتفوق على ابتكاراتك، ولن تستطيع أبدا أن توقف ذلك، فسيظل دائماً هناك أشخاص أصغر سناً وأكثر إبداعاً منك يفتحون أفقاً جديداً يجعل ما ابتكرته يبدو قديماً وبالياً، وستظل دائماً تبذل الكثير من الجهد لتحقق نجاحاً لا يدوم طويلاً. أما استفادتك من الماضي وتطويعك للموروث سيمنح ابتكاراتك مسحة من الخلود. في فترات التغير السريع ينسى الناس أن الحنين للماضي سوف يتسلل إلى قلوبهم حتماً، وفي النهاية سيعود عليك استغلالك للماضي بسطوة أكبر كثيراً من انقطاعك عنه - فالقطيعة مع الماضي لا تفيدك بل في أغلب الأحيان تدمرك .




.jpg)





