القمر
في قديم الزمان، عاشت في غابة «القمر المنير» الحيوانات سعيدةً هانئة. في كل ليلة كان القمر يزور الغابة وينشر نوره في أرجائها، فترتدي أشجارها وأزهارها وأنهارها أثوابًا فضيةً لامعةً. كانت الحيوانات مولعةً بقمرها، وكانت تتباهى أمام جيرانها في الغابات المجاورة بجمال هذا الزائر الساحر الذي لم تره يومًا في سمائها إلا بدرًا مكتملًا.
ذات يوم، قرر الحصان أن يجر القمر إلى بيته، فطلب من زوجته الفرس أن تعطيه حبلًا طويلًا. ثم صعد على التلة القريبة، وعندما وصل إلى قمتها ربط القمر بالحبل وبدأ يشد ويشد. صاح الحصان: «أتعبتني يا قمري! لم أكن أعرف أن وزنك ثقيل إلى هذا الحد».!
ضحكت الفرس قائلةً: «يبدو أن صديقنا القمر سمن من كثرة الغيوم التي أكلها في سهراته الطويلة!». وصعدت على التلة وبدأت تساعد الحصان في شد الحبل. شيئًا فشيئًا بدأ القمر يتحرك وينزاح.
في هذه اللحظة، كانت الدبة تلعق أذني صغيرها. تنهدت وقالت لزوجها الدب: «انظر إليه. كأنه يبتسم وهو نائم!» تأمل الدب وجه صغيره مليًا وقال: «ما أجمل صغيرنا تحت ضوء القمر. كأن هناك نورًا يشع من وجهه».!
ورفع نظره إلى الأعلى، فرأى القمر يتدحرج ببطء والحصان والفرس يجرانه نحو اليسار. فصاح: «ما هذا؟! الحصان والفرس يسرقان قمرنا!» فوجئت الدبة وقالت بحزم: «علينا أن نمنعهما فورًا».!
ركض الدب بسرعة وحملت الدبة صغيرها فوق ظهرها ولحقت به. عندما وصلا إلى التلة وجدا الحصان والفرس يقفزان فرحًا وهما يهتفان: «أصبح القمر فوق بيتنا... يا سلام».!
صاح الدب غاضبًا: «من سمح لكما بسرقة قمرنا؟» ركضت الفرس للاطمئنان على مهرها النائم. ثم اقتربت من الدب وهمست في أذنه: «أولًا، لا ترفع صوتك، ستوقظ صغيري».!
لحق الحصان بها ووقف أمام خصمه رافعًا قائمتيه وقال: «ثانيًا، هذا قمرنا وليس قمركما! سنقيم حفلًا ضخمًا احتفاءً بقدوم مهرنا ونريد لقمرنا أن ينشر نوره كله فوق بيتنا».!
ضحكت الدبة ساخرةً وقالت: «هاهاها! كم أنتما مخطئان يا عزيزي! هذا قمرنا نحن! ونحن من سنقيم وليمةً كبيرةً احتفاءً بقدوم صغيرنا الغالي».!
صهلت الفرس قائلةً: «قمرنا لن يتزحزح من هنا!» شدت الدبة الفرس من ذيلها الطويل وصاحت غاضبةً: «بل سيتزحزح وسيتجه نحو بيتنا الآن».!
وعلى الفور تسلق الدب شجرةً، وحين وصل إلى قمتها رمى الحبل على القمر وربطه وبدأ يجره وهو يتمتم قائلًا: «سنرى الآن من منا هو الأقوى أيها الحصان».!
جُنَّ جنون الحصان. أحضر حبلًا آخر وصعد التلة وربط القمر وبدأ يجره. صار القمر يتدحرج تارةً نحو اليسار باتجاه بيت الحصان والفرس، وتارةً نحو اليمين باتجاه بيت الدب والدبة. وظل الدب والحصان يشدان القمر كلًا إلى بيته حتى تمزق إلى أجزاء صغيرة تناثرت في أرجاء الغابة، وما هي إلا لحظات حتى غرقت غابة «القمر المنير» في ظلام دامس. صاحت الدبة: «لا أرى شيئًا! مصيبة! فقدنا أجمل قمر في العالم بسببكما» وبكت الفرس قائلةً: «بل الذنب ذنبكما».!
تدخل الدب قائلًا: «كُفّا عن الشجار. لقد أخطأنا جميعًا وعلينا أن نجد حلًا» فقال الحصان: «أنا وجدت الحل. لكن دعونا بدايةً نجمع أجزاء القمر».!
سار الدب والدبة والحصان والفرس في أرجاء الغابة وراح كل واحد منهم يلتقط جزءًا من القمر. ثم، طلب الحصان من زوجته أن تنتزع شعرةً من ذيله الطويل، فسألته الفرس: «لماذا؟!» فأجاب: «سأعيد حياكة القمر بواسطة هذه الشعرة».
تعاون كل من الدب والدبة والفرس مع الحصان في حياكة القمر. وخلال ساعات تمكنوا من إعادة تشبيك أجزاء القمر. ثم، حملت الدبة القمر وتسلقت الشجرة وعلقت القمر في حضن السماء. وما هي إلا لحظات حتى بدأ القمر يتلألأ وغمر نوره غابة «القمر المنير». تعانق الجميع وصاحوا فرحين: «عاد قمرنا... عاد قمرنا».
في اليوم التالي، أقام الحصان والفرس والدب والدبة حفلاً ضخمًا للاحتفاء بقدوم صغيريهما دعوا إليه جميع أصدقائهم في الغابات المجاورة، كانت ليلة فريدة بدا القمر فيها وادعًا وصافيًا وساحرًا أكثر من ذي قبل. الكل كان يرقص ويغني فيما كان المهر والديسم غارقين في نوم عميق يحلمان بزائر يسكن أعالي السماء، مدور صغير، أرق من الحرير، ينشر الحب وينير.
بواسطة سلمى قريطم




.jpg)





